ابن عجيبة
8
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
العربية المحدثة ، بناء على مدركات عقولهم البشرية . واللغة العربية من صنع المخلوق ، وكلام المخلوق محدود ؛ لأنه يعبّر عن محدود ، ومحال أن يحيط بالتعبير صنع المخلوق المحدود عن كلام اللّه وصفته ، التي لا تحدها الحدود . وإذا كان أساطين اللغة والأدب يرون أن اللغة العربية على كثرة مترادفاتها ، وضخامة معاجمها ، وغزارة ما تحتويه من ألفاظ ، واحتشاد تراثها بالمجازات والكنايات ، عاجزة عن التعبير عن مشاعر الإنسان وأحاسيس البشر ، فإنها - والقياس غير جائز - لعن تحديد المراد من كلام اللّه وقرآنه أعيى وأعجز . ومن هنا كان القرآن حمالا لوجوه عدة من المعاني ، وكان أمرا طبيعيا ما يتجدد فيه كل يوم من فهوم ، وستظل تلك المعاني تتجدد إلى ما شاء اللّه ، وسيبقى القرآن معها كما هو ، لا تبلى جدته ، ولا يكشف عن حقيقة مراده . وليس غريبا بعد ذلك أن يذهب المسلمون مذاهب شتى في تأويله ، فالمفسرون من علماء الشريعة يقفون عند ظاهر اللفظ ، وما دل عليه الكلام من الأمر والنهي ، والقصص والأخبار ، والتوحيد وغير ذلك . وأهل التحقيق ، أو الصوفية ، يقرون تفسيرهم هذا ، ويرونه الأصل الذي نزل فيه القرآن . ولكن لهم في كلام اللّه - مع الأخذ بهذا التفسير الظاهري - مذاقات لا يمكنهم إغفالها ؛ لأنها بمثابة واردات ، أو هواتف من الحق لهم . فلا ينبغي أن نقف القرآن على تفسير معين على أنه المراد ، فلا نقول كما يقول البعض : إن التفسير الظاهري وحده هو المقصود ، كما لا يرى أهل التحقيق أن تفسيرهم وحده هو المراد ، لأن القول بالتفسير الظاهري وحسب ، تحديد ( لكلام اللّه ) غير المحدود ، وإخضاع القرآن للغة التي مقياسها العقل المحدود ، والوقوف في تفسير كلام اللّه عند العقل المحدود عقال عن الانطلاق فيما وراء الغيوب ، وإغلاق الباب لمذاقات ليس العقل مجالها ، لأنها لا تخضع لمقاييسه وإنما تخضع لشئ آخر فوقه ، وتدرك بلطيفة أخرى سواه . إذن فهناك ما فوق العقل ، ألا وهو القلب . وليس المقصود بالقلب قطعة اللحم الصنوبرية ، وإنما المراد به تلك اللطيفة النورانية الربانية . إنه القلب الذي لا تحده الحدود ، لأنه عرش استواء تجليات الرب على مملكة الجسم . قال رب العزة في حديثه القدسي : « ما وسعني سمائي ولا أرضى ولكن وسعنى قلب عبدي المؤمن » « 1 » وهو القلب الذي اختصه الله
--> ( 1 ) أخرجه الديلمي ( الفردوس 3 / 174 ح 4466 ) من حديث أنس بن مالك ، بلفظ : « لا يسعني شئ ، ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين . . . » الحديث ، وانظر : إتحاف السادة المتقين ، للزبيدى ( 7 / 234 ) وكشف الخفاء للعجلوني : ( 2 / 195 ح 2257 ) .